أضع المخرج سيد عيسى فى قائمة المخرجين الذى لم ينالوا حقهم الكافى نقديا وتقديريا. والذى للأسف توفى فى ١٩٩٠ عن سن ٥٥ سنة تاركا ورائه ٤ أفلام روائية فقط وهم كالتالى حسب تواريخ العرض :
زيزت / ١٩٦١
يحى شاهين / برلنتى عبد الحميد / محمود المليجى
المارد / ١٩٦٤
فريد شوقى / شويكار / توفيق الدقن
جفت الأمطار / ١٩٦٧
شكرى سرحان / سميحة أيوب / سهير المرشدى
المغنواتى / ١٩٨٣
على الحجار / سهير المرشدى / على الشريف
وقد حصل سيد عيسى على دبلوم الدراسات العملية والنظرية من معهد موسكو ١٩٨٥ والدكتوراه من أكادمية الفنون بموسكو ١٩٧٠ وقد قام بدبلجة العديد من الأفلام السوفيتية الى العربية. وقد تميزت أعماله بحبه للريف ما عدا ربما فيلمه الأول ـ زيزت ـ الذى دار فى عالم العصابات أما فى ـ المارد ـ فقدم الصراع بين الباشا الإقطاعى والفلاحين حين يتسبب فى مقتل أحدهم حين يأمر بهدم محاصيلهم وينهى الصراع ليتزامن مع قيام ثورة يوليو .. وفى ـ جفت الأمطار ـ الصراع يتخذ شكل آخر بين الفلاح والأرض الملحية ..اخترت ان أنقل نص نقد سامى السلامونى كاملا ل ـ المغنواتى ـ الذى فيه يلقى الضوء على القيمة الفنية لسيد عيسى كتحية لكل من سيد عيسى وسامى السلامونى
* ـ المغنواتى .. سينما مصرية مختلفة .. كيف ندعمها ؟ ـ
بعض الأفلام تستحق أن يدعو لها الناقد قراءه بمشاهدتها دون أن يخشى شبهة الدعاية المأجوره .. طالما أن القارئ نفسه يثق فى ذمة ناقده الماليه والفنيه وفى صدق دوافعه .. وبشرط ألا يكون الناقد مأجور بالفعل !.
ومنذ أن شاهدت فيلم سيد عيسى الأخير ـ المغنواتى ـ مرتين فى لجنة المهرجانات من سنتين تقريبا وأنا أحس بأنه فيلم يستحق الحماس من أجله دون أية شبهه منفعة شخصية .. ورغم أن هناك عديدا من الملاحظات عليه من الناحية الفنية .. ولكن وجود هذا العيب الفنى أو ذاك فى فيلم ما ـ مثل أى عمل فنى فى العالم ـ لا يحول أحيانا دون الحماس له والإحساس بوجوب الوقوف من ورائه ـ والدعاية المجانيه له لو أمكن ـ اذا كان الفيلم يمثل اتجاها خاصا ونظيفا ومحترما فى السينما المصرية لا بد من صنع شىء من أجل حمايته وتشجيعه من الناقد الجاد والمتفرج الجاد معا ـ ومع ضرورة مصارحة مخرجه بكل الملاحظات الموضوعية والفنية من أجل صالح هذا المخرج نفسه .. وحتى لا تصبح العملية تطبيلا أعمى للإيجابيات ومع تجاهل السلبيات .. فهذا أسوأ ألف مرة من الدعاية المأجورة .
وأعتقد أننى وقفت كثيرا وبحماس وراء أفلام كثيرة كنت مؤمنا بها فى حينها .. أو مؤمنا على الأقل بالإتجاه التى تمثله كتجديد للسينما المصرية وتغير لجلدها السميك المكرر المستهلك منذ ستين سنه .. أو حتى مؤمنا بالنوايا الطيبة التى صدرت عنها هذه الأفلام ..
وسواء أكان هذا التأييد صحيحا أو خاطئا فى حينه .. فلقد كنت أحس دائما أن من واجب النقد الجاد الوقوف وراء السينما الجادة أيا كانت عيوبها .. لكى لا نساهم جميعا ـ جمهورا ونقادا ـ فى تجاهل أى محاولة للتغيير فى السينما المصرية .. ولست أعتقد أن كلماتى هذه ستفيد كثيرا فيلم ـ المغنواتى ـ .. فأخشى ما أخشاه أن يكون قد اختفى من السوق وتمت هزيمته تماما عند صدورها .. ولكن وسط أزمة نقدية عنيفة فى حياتنا السينمائية .. ووسط عملية تسطيح وتدمير مستمرة منذ سنوات لذوق جمهور بحيث يقبل على كل ما هو سهل ومبتذل وعلى حساب أى محاولة جادة لصنع شىء مختلف .. يصبح مهما أن يقول الإنسان كلمة صادقة عن فيلم مثل ـ المغنواتى ـ يمتلك كل مقومات النجاح حتى دون أن يقول عنه أحد شيئا ..
والواقع أن سيد عيسى نفسه أصبح ظاهرة خاصة جدا وغريبة فى السينما المصرية .. فرغم أنه يعمل منذ أكثر من عشرين سنة فى هذه السينما ـ أخرج أفلامه زيزت عام ٦١ ـ فانه لم يقدم سوى فيلمين فقط بعد ذلك وطوال هذه المده هما المارد و جفت الأمطار الذى كان آخر ما اخرجه عام ٦٧ .. أى منذ ١٦ سنة كاملة وقبل ـ المغنواتى ـ .. وهى حالة غريبة كما ترى لا أعتقد أن لها مثيلا فى تاريخ السينما كله .. فلا أتصور أن هناك مخرجا ـ ما زال شابا نسبيا ـ توقف ١٦ سنة بين فيلم وآخر ..
والغريب أنه ليس هناك سبب واحد لهذه الظاهرة .. فظروف سيد عيسى على العكس أفضل من كثيرين غيره ممن لم يتوقفوا أبدا عن العمل .. فهو حاصل على الدكتوراه فى السينما من معهد موسكو وفى تخصص صعب جدا مرتبط بالتصوير وجماليات السينما فيما أذكر .. ثم هو المخرج الوحيد فى مصر الذى لا يملك فقط وسائل انتاج أفلامه بنفسه .. بل والذى أنشأ ستوديو سينمائى كامل هو الوحيد خارج القاهرة .. وهو الاستوديو الذى بناه بنفسه فى قريته ـ بشلا ـ القريبة من المنصورة ..
ما هى المشكلة إذن .. المشكلة فيما أعتقد هى فى سيد عيسى نفسه .. هل يريد أن يصنع سينما أم لا يريد ..
هو يريد بلا أدنى شك .. ولكن ما نوع السينما التى يريد أن يصنعها .. كيف يصنعها .. وهل يتقبلها الجمهور الذى تعود على نوع آخر مختلف من السينما .. وهل يستطيع سيد عيسى نفسه أن يقدم لهذا الجمهور هذا النوع من السينما الذى يريده .. وفى المقابل .. هل يقبل الجمهور نوع السينما الذى يريد سيد عيسى أن يصنعه .. تلك هى المعضلة ..
إن لدى سيد عيسى تصورات خاصة لسينما مرتبطه بالواقع المصرى .. وبرؤية خاصة جدا موضوعيا وجماليا مرتبطة بهذا الواقع أيضا .. ولكنها أقرب الى الطابع الملحمى .. وتستلهم جماليتها الخاصة وحتى بنائها الدرامى الخاص الخارج عن قوالب الحدوتة التقليدية للسينما المصرية .. من التراث المصرى أساسا وبالتحديد فى الريف الذى عاشه سيد عيسى ويعرفه جيدا ويريد أن يحوله الى سينما ..
عظيم جدا .. ولكن المشكلة بالضبط ليست فى رؤية الفنان الخاصة التى قد تتجاوز واقع جمهوره نفسه .. والا فالكلام سهل جدا .. والكلام لا يصنع سينما .. وانما المشكلة فى التطبيق .. ثم فى قدرة الفنان على توصيل أفكاره الطموح لجمهور ما .. فى واقع اجتماعى وثقافى ما .. قم فى مدى تقبل الجمهور نفسه هذا الطموح ..
وهذه هى المعادلة التى لم يتوصل سيد عيسى بعد لحلها .. وأتصور أن التفكير فيها يشغله أكثر مما يشغله العمل نفسه .. والنتيجة أنه لا يعمل فعلا !.
وهو فى ـ المغنواتى ـ مثلا يقدم ملحمة ـ حسن ونعيمة ـ من التراث الشعبى والتى قدمت من قبل فى فيلم بركات من ربع قرن والتى يعرفها الناس فى كل مصر .. ولكن الجديد الذى يضيف إليها هو انه يحاول تحديدها اكثر بظروف مصر فى الأربعينات حيث يذكر المشاهدين كتابة على الشاشة بأن الإستعمار البريطانى مان يحتل مصر حينذاك .. وحيث نرى بالفعل مشهدا واحدا سريعا لصدام الإنجليز بالأهالى ثم تعاون أحد أثرياء الحرب ـ أبو خيشة ـ الذى يلعبه على الشريف مع ضابط انجليزى فى عقد صفقة ما من خلال حفل ماجن تحييه الراقصة عزيزة ـ سهير المرشدى ـ وفرقتها الهزيلة من المغنين الشعبيين والتى تضم حسن ـ على الحجار ـ مطرب الفرقة الشاب الذى تحبه عزيزة بينما يبدو هو منشغلا عنها بالبحث عن صيغة جديدة لتوظيف فته توظيفا نظيفا بدلا من اهداره فى سهرات السكارى .. وإلى ان تذهب الفرقة لإحياء عرس نعيمة ـ ليلى حمادة ـ بنت ثرى القرية صلاح منصور فيقع المطرب الجوال فى حبها وتقع فى حبه فتهرب من عريسها شكرى سرحان وتلجأ الى حبيبها المطرب وتتزوجه .. لكى تنتقم الأسرة على النحو الذى نعرفه بقتل حسن ..
يصوغ السيناريو الذى كتبه يسرى الجندى مع سيد عيسى هذا الموضوع القديم صياغة جديدة تحاول أن ترتفع به من الواقع الذى قدمه فيلم بركات الى ما يقرب من الشعر الملحمى وحيث تبدو الوقائع أكثر تبريرا فى تفاصيلها الواقعية فى الزمان والمكان .. وحيث تتركز الأشياء وتتلخص فيما يشبه الرموز .. فهناك قصة حب بين شاب وفتاة من جانب .. ثم هناك الأسرة الإقطاعية أو الثرية بأفكارها التقليدية الجامدة من جانب آخر .. وحيث يمكن ان يصبح الصراع الأساسى ليس بين الخير المطلق والشر المطلق .. وانما بين الثروة والفقر لو تصورنا ان صلاح منصور ثرى القرية الطامع فى العمودية يرفض ان يزوج ابنته لمغن صعلوك فقير .. أو بين القديم والجديد .. لو تصورنا ان تلك العائلة الريفية لا تمثل الثروة فقط بل تمثل المجتمع القديم كله بأفكاره المتحجرة المتغطرسة .. وان علاقة حسن ونعيمة ليست مجرد قصة حب وانما محاولة الشباب الجديد لأن يعيش بقيمه وأفكاره هو وبحقه فى الحب والحرية وفى التعبير عن قيمه الجديدة بأسلوب جديد لا سيما أن حسن من البداية يبدو شابا متمردا على واقعه باحثا عن مجتمع آخر نظيف وأكثر حرية واحتراما ..
وعلى مستوى ثالث تقف الأسرة الريفية الثرية بشبابها المتجهم الذى يملك السلاح حماية لمصالحه الراسخة .. فى وجه صعاليك الفنانين الذين لا يملكون شيئا حتى حق الحب والذين يمكن قتلهم كالذباب عند أول بادرة تمرد .. فى محاولة لتعميق الصراع وتوسيعه ليصبح بين نوعين من البشر أو مجتمعين متناقضين فى الواقع .. وليست مجرد صراع عاشقين على فتاة واحدة ..
كل هذه الأفكار والتفسيرات واردة فى ـ المغنواتى ـ .. ويضيف اليها سيد عيسى بأدواته كمخرج ما يكثف هذا الإحساس الملحمى العام الذى يتجاوز القصة الفردية وبأسلوب يقترب من الرمزية أحيانا ومن التعبيرية أحيانا .. وهو يختار لتصوير أحداثه أماكن واقعية فى قريته ومع فلاحى قريته مستخلصا كل جماليات ورموز القرية المصرية ولكن دون أن يلتزم بهذا الواقع التزاما شكليا .. وهذه قيمة جديدة لفيلم سيد عيسى أصبح لا يقدم عليها فى عجلة السينما التجارية وبهذه الجرأة الا هو .. ثم هو يتحاشى كل مغريات هذه السينما السهلة فلا يقدم تنازلا واحدا حتى وهو يقدم الرقص والغناء فى اطار نظيف تماما لا يهبط بهما عن وظيفتهما الشعبية الراقية .. بل أنه يغامر حتى بالإستغناء تماما عن نظام النجوم حين يسند بطولة فيلمه لعلى الحجار وليلى حمادة ومعهم أساتذة محنكون مثل صلاح منصور وسهير المرشدى وشكرى سرحان وعدد كبير من الوجوه الجديدة .. وكلها أسماء لا تبيع ..
نحن اذن أمام سينما مصرية مختلفة لأنها مغامرة ونظيفة ومحترمة وتحاول ان تجرب أساليب تعبير جديدة فى فن شائخ ومستهلك .. وهو تيار فى هذه السينما يصبح من واجب الناقد أن يدعمه ويقف وراءه بقدر ما يملك وإلا فلن يبدع أحد ابدا ولن يغامر ولن يجدد .. ولكن .. !
تظل مشكلة ـ المغنواتى ـ هى علاقته بالجمهور .. فالتجربة والمغامرة فى الفن ايا كانت شجاعتها لا تدور فى فراغ .. ولا تجىء من الهواء لتذهب الى الهواء .. وكما قلنا من قبل اكثر من مرة ففى واقع متخلف سينمائيين وجمهورا وأسعارا ودور عرض وكراسى محطمة وأجهزة معطلة وفى سوق تملؤه افلام عدوية ومواخير المخدرات .. لا يملك السينمائى الجديد أو المجدد أو المحترم ترف التجريب فى الفراغ .. فلسنا السويد ليصبح عندنا برجمان .. ولا ايطاليا لتكون فى حاجة الى فيلينى ..
وصحيح ان سيد عيسى لم يصنع مثل برجمان أو فيلينى وانما صنع شيئا مصريا تماما ولكن بأسلوب يتجاهل جمهوره الحقيقى الذى يجب أن يتوجه له وليس لأى جمهور خاص أو حتى للمهرجانات .. وان كان الجمهور متخلفا والسينما متخلفة فليس هذا مبررا لأن أتجاوز هذه الظروف كلها لأحلق فوقها فى الهواء لكى يلحق بى الناس اذا استطاعوا .. فليست السينما عملية تعجيز أو معركة بين الفيلم والمتفرج .. وانما هى وظيفة اجتماعية يجب ان تلعب دورا ما لتطوير مجتمع ما ان استطاعت .. ونفس ما ينسحب هنا على يوسف شاهين ينسحب على سيد عيسى ومع الفارق .. ان هناك صيغة أكيدة للوصول الى الناس وبفن جيد ومحترم فى نفس الوقت .. وليست الصيغة التجارية الرخيصة هى الصيغة الوحيدة بالضرورة .. فليس هذا صحيحا ..
وفى ـ المغنواتى ـ مثلا لم نحس بعلاقة الإستعمار البريطانى بالموضوع .. ولم نحس بمصر الأربعينات الا من مشهد البداية .. الطرابيش .. ولم نفهم الواقع الريفى الذى يصارع فيه الأب من أجل العمودية .. كما لم نفهم صيغة الفن الجديد الذى يبحث عنه حسن المتمرد .. ووقع السيناريو فى غلطة أساسية خطيرة حين لم يبرر حب نعيمة لحسن من أول نظرة بحيث هربت من ليلة زفافها لتلحق بحبيبها وتخرج عن طوع أهلها لأسباب مقنعة .. فكان هذا سلوكا أخلاقيا رفضه الجمهور وفقد تعاطفه مع الأبطال .. وكان البطل العاشق أقرب الى القرصان المعتدى الذى يخطف بنات الناس .. بينما العائلة تدافع فعلا عن شرفها .. وهذه كارثة ضيعت من حسن قضيته بحيث لم يحزن عليه أحد عندما قتلوه .. ولم يستفد الفيلم تماما من عنصرى الرقص والعناء الفولكلورى فى فيلم كان يجب ان يقوم على ذلك أساسا .. وما زالت أعمال يسرى الجندى اقرب الى المسرح وحواره اقرب الى الشعر الذى يفهمه الناس بصعوبة .. ولكن كانت هناك جماليات صورة وموقع وألوان جيدة وتصوير بارع من نسيم ونيس فى أول أفلامه الطويلة واداء جيد لصلاح منصور وسهير المرشدى وجو فرقة شعبية طريف ..
ولكن كيف نوصل هذا كله للجمهور بسهولة لنقدم بديلا جذابا للسينما الرديئة .. تلك هى المشكلة ..
سامى السلامونى
*
ربما نوافق أو نختلف مع السلامونى فى منظوره ولكن تجد فى تحليله للواقع السينمائى فى بداية الثمانينات لا يختلف كثيرا عن الواقع اليوم بالرغم من تحسن مستوى دور العرض والإمكانيات الحديثة فربما الحال أسوأ مما كان فى الوضع الإحتكارى الموجود اليوم وأرجوا ألا يساء فهم استعمال السلامونى كلمة ـ نظيفة ـ اكثر من مرة فما يقصده حينذاك لا يمت بأى صلة للتزمت الذى تقصد به هذه الكلمة هذه الأيام فى حملة تعصب تحاول ان تجذبنا الى الوراء.
والى اللقاء